كريم نجيب الأغر
139
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - المختلفين ، وهذا الأسلوب قد تكرّر مرارا في القرآن الكريم كقوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) [ الانفطار : 13 - 14 ] ، مما يرسّخ لدينا الاعتقاد أن اللّه تعالى أراد في القرآن الكريم الدلالة على عمليتي الانصهار والنسب على النحو الذي أشرنا إليه ، فسبحان اللّه ! واللّه تعالى أعلم . وقد يعترض البعض أن كلمة « ماء » هنا عرّفت بأل التعريف ، وبالتالي فإن كلمة « الماء » التي جاءت في الآية السالفة الذكر تشير إلى الجنس ، أي إلى الماهية ( أي إلى مفهوم الماء العام ) ( أصول الفقه الإسلامي ، د . إبراهيم السلقيني ، تقسيم اللفظ باعتبار ظهور الدلالة على معناه وخفائها ، ص 280 ) . نقول - وباللّه التوفيق - : إن اللّه تعالى أراد أن تفهم الآية على وجهين : على المعنى الشائع للتصاهر والانتساب بين الناس ، وعلى معنى التصاهر والانتساب على مستوى النطف وفقا لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بجوامع الكلم » [ أخرجه البخاري ح 13 ] ، فإذا فهم من الآية المعنى الأول اقتضى تعريف كلمة ماء بأل التعريف حتى نفهم أن الآية تشير إلى جنس الماء ، وإذا فهم من الآية المعنى الثاني وجاءت كلمة ماء معرفة بأل التعريف لم ينف ذلك أن تشير الآية إلى ماء النطف لأن هذا النوع من الماء يندرج تحت الماء العام واللّه تعالى أعلم . والشاهد على كلامنا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ما من كل الماء يكون الولد » [ أخرجه مسلم ح 17 ] فهو يشير بدون أي التباس إلى ماء النطف ولكن جاءت صياغته بأل التعريف . وإذا سلمنا جدلا أن الماء بأل التعريف لم يرد في القرآن الكريم إلا لجنس الماء ، فلا يضرّ في النتيجة التي توصلت إليها أن كلمة « الماء » عبّر عنها في : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً [ الفرقان : 54 ] بالمعنى الدارج المعروف ، والمقصود به جنس الماء ، وعبّر بضميرها في فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً عن الماء الذي يتوالد منه الإنسان ( ماء الرجل وماء المرأة ) والذي ينطوي تحت جنس الماء ، وهذا سائغ معروف في اللغة ويسمّى « الاستخدام » ، ولا مجال لإنكاره . وقد سبق تعريفه في مبحث « الماء والمني / تفسير النقطة الأولى » فانظره هناك . ومثل هذا تماما ما جاء في قوله عزّ وجلّ : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [ فاطر : 11 ] ، فالضمير في « عمره » يعود إلى « معمّر » كما هو الظاهر ، غير أن التعمير ونقصان التعمير في واحد لا يجتمعان ، فلزم أن يعود الضمير إلى جنس المعمّرين ، أيّ : إلى أيّ معمّر ، بمعنى : أنّه لا يعمّر من معمّر ولا ينقص من عمر معمّر آخر إلا في كتاب ، وقد تساءل الزمخشري عن هذا الأسلوب ؛ تماما كما وقع لي في آية سورة الفرقان السالفة الذكر ، وكلامه مهم للغاية سأنقله بتمامه ، قال : « فإن قلت : ما معنى قوله : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ؟ قلت : معناه : وما يعمّر من أحد ، وإنما سمّاه معمّرا بما هو سائر إليه . فإن قلت : الإنسان إما معمّر ، أي : طويل العمر ، أو منقوص العمر ، أي : قصيره ، فإما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال ، فكيف صحّ قوله : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ؟ قلت : هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين ، واتكالا على تسديدهم معناه بعقولهم ، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد . وعليه كلام الناس المستفيض ، يقولون : لا يثيب اللّه عبدا ولا يعاقبه إلا بحق ، وما تنعّمت بلدا ولا اجتويته إلا قلّ فيه ثوائي » ( الكشاف ، ج 3 / ص 303 ) ، فالكلام السابق للزمخشري يشير إلى أن الاستخدام في آية سورة فاطر ساغ لأنه يعتبر أن فهم النص القرآني وتأويله على نحو سليم من الأمور المسلّمة بها ، ويتّكل على تسديد -